العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٧ - الثلاثاء ١٧ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ شعبان ١٤٤٧هـ

مقالات

الاقتصاد العالمي في عام 2026

{ بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ١٢ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

شهد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬مرحلة‭ ‬مفصلية‭ ‬اتسمت‭ ‬بالانتقال‭ ‬التدريجي‭ ‬من‭ ‬التشديد‭ ‬النقدي‭ ‬إلى‭ ‬التيسير‭ ‬الحذر،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ ‬واستمرار‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭. ‬وقد‭ ‬شكّل‭ ‬قرار‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬مركزية،‭ ‬عكست‭ ‬انحسار‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬واستقرار‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬شروط‭ ‬السيولة‭ ‬عالميًا،‭ ‬وإن‭ ‬بقي‭ ‬أثرها‭ ‬متفاوتًا‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭. ‬كما‭ ‬كان‭ ‬للحروب‭ ‬التجارية‭ ‬وفرض‭ ‬الضرائب‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬دور‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬اضطراب‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

سجّل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬2025‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬قُدّر‭ ‬بنحو‭ ‬3‭.‬1‭%‬،‭ ‬مع‭ ‬ناتج‭ ‬محلي‭ ‬إجمالي‭ ‬يناهز‭ ‬106‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حققت‭ ‬نموًا‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬2.2‭%‬‭ ‬مدعومة‭ ‬بمرونة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتراجع‭ ‬كلفة‭ ‬الاقتراض‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬العام،‭ ‬فيما‭ ‬ظل‭ ‬أداء‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو‭ ‬ضعيفًا‭ ‬عند‭ ‬نحو‭ ‬1‭%‬‭ ‬نتيجة‭ ‬تأخر‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭ ‬واستمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭. ‬أما‭ ‬الصين،‭ ‬فقد‭ ‬تراوح‭ ‬نموها‭ ‬بين‭ ‬4‭.‬5‭%‬‭ ‬و5‭%‬،‭ ‬وهو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬متوسطها‭ ‬التاريخي،‭ ‬متأثرة‭ ‬بتباطؤ‭ ‬سوق‭ ‬العقارات‭ ‬وتراجع‭ ‬الطلب‭ ‬الخارجي‭.‬

على‭ ‬صعيد‭ ‬التضخم،‭ ‬انخفض‭ ‬المتوسط‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬4‭.‬2‭%‬،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬هامشًا‭ ‬أوسع‭ ‬للمناورة‭ ‬النقدية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل‭ ‬بقيت‭ ‬مرتفعة‭ ‬نسبيا‭ ‬خارج‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬استمرت‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬المالية‭ ‬العامة،‭ ‬إذ‭ ‬تجاوز‭ ‬الدين‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭ ‬97‭%‬‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬ما‭ ‬حدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬المالي،‭ ‬وفرض‭ ‬أولويات‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الدعم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والطاقة‭ ‬والأمن‭.‬

القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬العالمي‭ ‬حافظ‭ ‬على‭ ‬استقراره‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬مستفيدًا‭ ‬من‭ ‬تحسن‭ ‬الهوامش‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬فائدة‭ ‬مازالت‭ ‬مرتفعة‭ ‬نسبيًا،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوزت‭ ‬موجوداته‭ ‬190‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬ائتماني‭ ‬متحفظ‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬3‭%‬‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬العقار‭ ‬والديون،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والصين،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬نهج‭ ‬الحذر‭ ‬في‭ ‬الإقراض‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬واصل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬تحوّله‭ ‬الهيكلي،‭ ‬إذ‭ ‬تجاوزت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والتقنيات‭ ‬النظيفة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬8‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬ما‭ ‬يؤسس‭ ‬لفرص‭ ‬نمو‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬لكنه‭ ‬عمّق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭.‬

وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬تشير‭ ‬التوقعات‭ ‬إلى‭ ‬تحسن‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬3‭.‬3–3.5‭%‬،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬باستمرار‭ ‬التيسير‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واحتمال‭ ‬توسّعه‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬وتحسن‭ ‬محدود‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بنمو‭ ‬متوقع‭ ‬يقارب‭ ‬3‭%‬‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السيناريو‭ ‬الإيجابي‭ ‬يبقى‭ ‬مشروطًا‭ ‬بعدم‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬أو‭ ‬عودة‭ ‬التضخم‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تكتسب‭ ‬السياسات‭ ‬المطلوبة‭ ‬في‭ ‬2026‭ ‬أهمية‭ ‬مضاعفة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تيسير‭ ‬نقدي‭ ‬متدرج‭ ‬ومنضبط‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬وتنسيق‭ ‬أوثق‭ ‬بين‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬لتفادي‭ ‬صدمات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الديون‭. ‬أما‭ ‬ماليًا،‭ ‬فالمطلوب‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭ ‬الإنتاجي‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الخضراء‭ ‬بدل‭ ‬الدعم‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬غير‭ ‬المستدام‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬يرتبط‭ ‬نجاح‭ ‬2026‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬دورة‭ ‬الفائدة‭ ‬المنخفضة‭ ‬نسبيًا‭ ‬عبر‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬فوائض‭ ‬مالية،‭ ‬وفي‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العربية‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستثمار‭ ‬الإقليمي‭ ‬والتمويل‭ ‬التنموي‭. ‬كما‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تسريع‭ ‬تنويع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية،‭ ‬وتعميق‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬العملات‭ ‬الضعيفة‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬العالمية،‭ ‬تصبح‭ ‬الشراكات‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬مدخلًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬لدمج‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬كان‭ ‬عامًا‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬والتحول‭ ‬الحذر،‭ ‬فيما‭ ‬يمثل‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لإعادة‭ ‬تنشيط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬استفادة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬ستعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬السياسات،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬تحسن‭ ‬الظرف‭ ‬الدولي‭ ‬وحده،‭ ‬وعلى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬الاستباقي‭ ‬بدل‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بردّ‭ ‬الفعل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا