العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٦١٥ - الاثنين ١٥ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الاعتذار المتأخر.. لا يصنع وطنية

المواقف‭ ‬تُختبر‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الشدة،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬العافية،‭ ‬والانتماء‭ ‬للوطن‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالكلام‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬المعركة،‭ ‬بل‭ ‬بالصوت‭ ‬الذي‭ ‬يرتفع‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬للصمت‭ ‬ثمن‭.. ‬وللصمت‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬للكلام‭ ‬خطر‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يصبح‭ ‬الاعتذار‭ ‬المتأخر‭ ‬عن‭ ‬الأخطاء‭ ‬والخطايا‭ ‬لدى‭ ‬أي‭ ‬جماعة‭ ‬أو‭ ‬شخصية‭ ‬سياسية‭ ‬خطأً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬لا‭ ‬يُغتفر،‭ ‬لأنه‭ ‬يأتي‭ ‬بعد‭ ‬فوات‭ ‬الأوان،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬دُفع‭ ‬الثمن‭ ‬من‭ ‬أمن‭ ‬الوطن‭ ‬واستقراره‭.‬

مرت‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬بظروف‭ ‬وتحديات‭ ‬وتهديدات‭ ‬مباشرة،‭ ‬وكان‭ ‬أبرزها‭ ‬الاعتداء‭ ‬الإيراني‭ ‬الآثم‭ ‬الذي‭ ‬استهدف‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭.. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬الاعتداء‭ ‬وليد‭ ‬لحظة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬امتداد‭ ‬لمسار‭ ‬من‭ ‬التحريض‭ ‬والتدخل،‭ ‬والاستقواء‭ ‬بالخارج‭.. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬ساكتا‭ ‬صامتا،‭ ‬بينما‭ ‬قامت‭ ‬جماعات‭ ‬منحلة‭ ‬ومنحرفة‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الوطني‭ ‬بمهاجمة‭ ‬البلاد،‭ ‬ونقد‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬والتحرك‭ ‬ضدها،‭ ‬وتصوير‭ ‬نفسها‭ ‬كضحية،‭ ‬بينما‭ ‬هي‭ ‬كانت‭ ‬رأس‭ ‬الحربة‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬يستهدف‭ ‬وحدة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وتماسكها‭ ‬الاجتماعي‭.‬

واليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬حزمت‭ ‬البحرين‭ ‬أمرها‭ ‬وقررت‭ ‬تعديل‭ ‬انحراف‭ ‬البوصلة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬انتهت‭ ‬جولة‭ ‬التصعيد‭ ‬الإيراني،‭ ‬ونجحت‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬التصدي‭ ‬للاعتداءات‭ ‬وحماية‭ ‬أمنها‭ ‬الوطني،‭ ‬خرجت‭ ‬علينا‭ ‬بعض‭ ‬الوجوه‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بالأمس‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭.. ‬خرجوا‭ ‬ليعلنوا‭ ‬انسلاخهم‭ ‬من‭ ‬جماعاتهم‭ ‬السياسية،‭ ‬وليدعوا‭ ‬إلى‭ ‬التلاحم‭ ‬الوطني،‭ ‬وليعلنوا‭ ‬رفضهم‭ ‬للاعتداء‭ ‬الإيراني،‭ ‬وليتحدثوا‭ ‬عن‭ ‬حكمة‭ ‬القيادة‭ ‬البحرينية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬كافة‭ ‬التحديات‭.‬

إن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬مراجعة‭ ‬المواقف‭.. ‬فالاعتراف‭ ‬بالخطأ‭ ‬فضيلة،‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬الصواب‭ ‬مبدأ‭.. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬والنية‭.. ‬فالمراجعة‭ ‬التي‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يفشل‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬انخرطوا‭ ‬فيه،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تنتصر‭ ‬الدولة‭ ‬وتُحبط‭ ‬المخططات،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬قراءتها‭ ‬إلا‭ ‬كمحاولة‭ ‬لركوب‭ ‬الموجة‭ ‬وتأمين‭ ‬مخرج‭ ‬آمن‭.. ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬عملاً‭ ‬سياسياً‭ ‬ناضجاً،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬وطنية‭ ‬تُحتفى‭ ‬بها،‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تُستعار‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭.. ‬من‭ ‬كان‭ ‬صامتا‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬تُطعن،‭ ‬فليس‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬صوته‭ ‬الآن‭ ‬ليتحدث‭ ‬عن‭ ‬التلاحم‭.. ‬من‭ ‬شارك‭ ‬أو‭ ‬برر‭ ‬أو‭ ‬التزم‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬مهاجمة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬والتحريض‭ ‬ضدها،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُصدق‭ ‬حين‭ ‬يقول‭ ‬فجأة‭ ‬إنه‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬وضد‭ ‬التدخل‭ ‬الخارجي‭.‬

الناس‭ ‬لا‭ ‬تنسى،‭ ‬والذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬لا‭ ‬تُمحى‭ ‬ببيان‭ ‬صحفي‭.. ‬‮«‬كيف‭ ‬أصدقك‭ ‬وهذا‭ ‬أثر‭ ‬فأسك‮»‬‭ ‬ليست‭ ‬عبارة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬خلاصة‭ ‬التجربة‭.. ‬الأثر‭ ‬باقٍ،‭ ‬والجرح‭ ‬لم‭ ‬يندمل،‭ ‬والثقة‭ ‬لا‭ ‬تُمنح‭ ‬لمن‭ ‬خانها‭ ‬مرة‭.. ‬الاعتذار‭ ‬المتأخر‭ ‬لا‭ ‬يفيد‭ ‬الوطن‭ ‬بشيء،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬ما‭ ‬فُقد‭ ‬من‭ ‬ثقة،‭ ‬ولا‭ ‬يمحى‭ ‬ما‭ ‬ترتب‭ ‬على‭ ‬الصمت‭ ‬والتواطؤ‭ ‬من‭ ‬أضرار‭.. ‬هو‭ ‬محاولة‭ ‬لتجميل‭ ‬الصورة‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الحقيقة‭.. ‬ومملكة‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم‭ ‬تتقدم‭ ‬بثبات‭ ‬لأنها‭ ‬حسمت‭ ‬خياراتها‭.. ‬اختارت‭ ‬الانحياز‭ ‬للدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وللشرعية،‭ ‬وللمشروع‭ ‬الخليجي‭ ‬الجامع‭.. ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬بالاعتراف‭ ‬العلني‭ ‬والصريح‭ ‬بدور‭ ‬من‭ ‬حرض‭ ‬واستقوى‭ ‬بالخارج،‭ ‬وأن‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬مواقفه‭ ‬السابقة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يكتفي‭ ‬ببيان‭ ‬اعتذار‭ ‬فضفاض‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬ولا‭ ‬يؤخر‭.‬

التلاحم‭ ‬الوطني‭ ‬لا‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬النسيان،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬الوضوح‭. ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صادقاً‭ ‬فليقل‭ ‬للناس‭: ‬أنا‭ ‬أخطأت،‭ ‬وهذه‭ ‬أسباب‭ ‬خطئي،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سأفعله‭ ‬لتصحيحه‭.. ‬أما‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬المتورط‭ ‬إلى‭ ‬واعظ،‭ ‬والصامت‭ ‬إلى‭ ‬خطيب،‭ ‬فهذا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تنطلي‭ ‬حيلته‭ ‬على‭ ‬العقول‭ ‬الواعية‭.. ‬الوطن‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬معتذرين‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الصف‭.. ‬ولكنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬وقف‭ ‬معه‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬وحده‭.‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا